السيد محمد الصدر

109

منة المنان في الدفاع عن القرآن

العجين قد هلك من كثرة عجنه ، ولو تسامحاً ؛ فإنَّها تكون عادةً كثيرة الحركة إلى حدٍّ قد يؤدّي بها إلى الهلاك مجازاً . ومن المعلوم أنَّنا في الاشتقاق نقول : ( ثابر ) وهو ثابر من الثلاثي ، أي : اسم الفاعل الثلاثي على وزن فاعل ، ثبر فهو ثابرٌ ، مع أنَّ ثابر لا يستعمل عادةً ، أي : ثبر فهو ثابرٌ ومثبورٌ ، وثابر فهو مثابرٌ ومثابَرٌ ، مع أنَّ مثابَر أيضاً غير مستعملٍ في اللغة . والمهمّ هنا أنَّ ( مثبور ) مشتقٌّ من الثلاثي . فقوله تعالى : وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُوراً « 1 » من ( ثبر ) لا من ( ثابر ) . وحسب فهمي أنَّها تدلّ على جهةٍ نفسيّةٍ ناشئةٍ من تمزّق الحال مجازاً ، أي : إنَّ الإنسان في نفسه يشعر بتردّدٍ وتمزّقٍ ووضعٍ لا يحسد عليه ، فالأُمور التي حوله هالكةٌ أو متمزّقةٌ ، أو أنَّ نفسه هالكةٌ ومتمزّقةٌ من كثرة الأفكار وكثرة التردّد وعدم التركيز . ولذا يسمّى المتحيّر ( مثبوراً ) أحياناً ، كما يسمّى المستعجل ( مثبوراً ) أحياناً أيضاً . وقد يُراد من اللفظ في الآية ذلك أيضاً ، أي : المتحيّر بمعنى : ( وأنَّي لأظنّك يا فرعون متحيّراً ) ؛ لأنَّ مَن يعرض عن الآخرة ويلتفت إلى الدنيا يكون حائراً أو بمنزلة الحائر . وابن عبّاس ( رضي الله عنه ) عندما يقول : ( ناقص العقل ) يصحّ كلامه على أنَّ نفهمه صفةً وقتيّةً ، وليست ثابتةً ، أو قل : حينيّةً ، أي : حينما يكون متحيّراً ومرتبكاً يصدق عليه أنَّه مثبورٌ ، وليس ناقص العقل ، أي : سفيهٌ . فلو كان فرعون سفيهاً لما حصل على منصبه الذي هو فيه ؛ فإنَّ المستعجل والمتحيّر يكون حال استعجاله وحيرته بمنزلة فاقد العقل ، أي : يتصرّف بسرعةٍ وارتباكٍ كأنَّه سفيه أو قل : في ذلك الحين هو سفيهٌ

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 103 .